أحمد بن أعثم الكوفي
243
الفتوح
يرضى لنفسه بما ترضاه لنفسك ! إنك قد أقمت في مثل هذه القرية في غير كثرة من عدد ولا كثيف من جمع ولا إمارة ولا منعة وأنت أنت . قال : فتبسم محمد بن الأشعث ثم قال : يا بني ! إني قد علمت أنك لم تأتني ولم تعرضي علي هذا الرأي إلا خوفا من المختار . قال : ثم أقبل محمد بن الأشعث على من عنده أصحابه وقال : إن ابني هذا له نخل بالكوفة على شاطئ الفرات ، وإنما يريد أن أكون أنا مقيما بالكوفة حتى يأمن هو في نخله وماله وأنا فلست أبالي بذلك النخل كان أم لم يكن ، قال : فلم يزل عبد الرحمن يلين لأبيه في الكلام ويخوفه مرة ويرغبه أخرى حتى أجابه إلى ما أراد . قال : ثم خرج محمد بن الأشعث من تكريت في جماعة من أصحابه وبني عمه حتى قدم الكوفة ، ثم دخل على المختار فسلم عليه بالإمارة وقال : أيها الأمير ! الحمد لله الذي نصرك ، وأعزك وأظهرك ، وبعدوك أظفرك ، إذ أنجز دعوتك ، وأعلى رتبتك ، ورفع منزلتك ، فإنك دعوت دعوة هدى وأنجيتنا من الضلالة والعمى ، قال : فقال له المختار : أبا عبد الرحمن ! إن الذي غضبنا له هو نصرنا ، وبعدوه أظفرنا ، وإن لربنا تعالى جندا لا يغلب ، وملكا لا يسلب ، وليس من يوم يأتي بعد يوم إلا والله تعالى معز فيه للمؤمنين مذل فيه للكافرين ، حتى يعود الدين كما بدأ . ثم أدناه المختار وأجلسه معه على سريره ، ووعده ومناه وأمر له بجائزة سنية ، وصرفه إلى منزله . قال : وجعل المختار يجلس للناس في كل غدوة وعشية فيقضي بين الخصمين ، فإذا عاقه عائق أمر شريحا القاضي أن يجلس فيقضي بين الناس ( 1 ) . قال : وأحبه الناس حبا شديدا ، ودر له جلب البلاد ، وحمل إليه الخراج من جميع عماله . قال : ثم أرسل إلى وجوه أصحابه وثقاته ، فجمعهم عنده ثم قال : اعلموا أنه ليس يسوغ لي الطعام ولا أحب أن أروى من الماء وقتلة الحسين بن علي أحياء يمشون في هذه الدنيا ! وقد استوسق لي الأمر وأطاعني الناس ، ولست بالناصر لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن لم أطلب بدمائهم ، وأقتل من قتلهم ، وأذل من جهل حقهم ! ولكن سموهم لي فعلي أن أطهر الأرض منهم .
--> ( 1 ) ثم إن الناس تناولوا شريحا وأنه ممن شهد على حجر بن عدي ، وأنه خان هانئ بن عروة فيما لم يبلغ عما أرسله به ، وأن عليا بن أبي طالب ( رضي ) قد عزله عن القضاء فتمارض شريح ، فعزله المختار وجعل مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ثم عبد الله بن مالك الطائي .